محمد غازي عرابي

1114

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

سورة القلم بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ( 1 ) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ( 2 ) [ القلم : 1 ، 2 ] النون ما يسطرون ، وما تسطر ملائكة المعقولات إلا المعقولات نفسها فليس في الوجود العياني إلا نتائج هذا المسطور أزلا بأمر اللّه ، فهذه العاقلات الكليات تخرج ما في بطنان الهوية الصرفة من علوم وآيات صورة بعد صورة ، وآية فآية ، وليس في العالم الخارجي إلا صور مرئية تكشف عن صور غير مرئية هي البواطن الكليات للجزئيات الظاهرات . [ سورة القلم ( 68 ) : آية 3 ] وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ( 3 ) [ القلم : 3 ] إذا ظللت العبد نفحة إلهية لم يمسه الجنون الذي هو آفة عقلية ، فالنفحة طور فوق طور العقل ، صحيح إن إشراقها يكون على العقل ، ويكون العقل محلا لها ولسانا ، ولكنها هي بحد ذاتها أعمق وجودا من العقل ، إذ هي الوجود الحقيقي الروحي الأصيل ، بينما الوجود العقلي وجود مادي مضاف قابل للزيادة والنقصان وعرضة للإصابة بالأمراض كما هو الحال عند المجانين . ولقد رمت الكفار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالجنون لما قال إنه رأى آيات ربه ، كما شككت المنافقون في حديثه عن الإسراء والمعراج وما رأى فيهما من الأماكن الأرضية والسماوات القصية وأنبياء هذه السماوات ، والمشكلة أن أصحاب العقول لا يصدقون بوجود هذا الأفق العالي الذي هو فوق أفق العقل العادي ولا يؤمنون بوجود الوحي الذي يعلم الإنسان ما لم يكن يعلم ، لكن المؤمنين مؤمنون بأن اللّه القادر قادر على أن يزيد الإنسان المجتبى علما إلى علمه ، ويعلمه البيان الذي هو العلم اللدني . [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 4 إلى 9 ] وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( 4 ) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ( 5 ) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ( 6 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 7 ) فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ( 8 ) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ( 9 ) [ القلم : 4 ، 9 ] الخلق النبوي التخلق بالصفات الإلهية البديلة عن الصفات الإنسانية العرضة للخير والشر والصواب والغلط ، فالحق الكامل خلع على عبده الصالح خلعه الكاملات من الصفات العلويات التي لا يوجد خلق أكمل منها ولا أعلى ، ولهذا كان خلق النبي عظيما ، وما عظم خلقه إلا لأن ربه زينه بخلق من لدنه ، وكان خلق اللّه عظيما .